عبادة ورياضة إنسانية
نتعلم من الصيام أن يكون للإنسان إرادة يكبح به جماح أهوائه، وتكون الكلمة العليا للإرادة التي بها نفعل ولا نفعل، ربما يضعف الكثير من الناس أمام رغباته ونزوات نفسه، حتى تجعل منه أسير لها، لا يقوى على الوقوف ضدها، فمن كانت له إرادة، كانت له النجاة، فإنما ضعف الإرادة، لدليل على أن للجسد سلطان يفوق سلطان الروح.
فالصيام تربية للضمائر، وبناء للنفوس، وتصفية للشوائب التي تعلق بدخائل القلب، إن الإنسان يشعر بهذا السمو في قرارة نفسه، حين يعلو على ألم الجوع والظمأ ساعات، يعيد صياغة كينونته، يوازن بين المعادلة، التي ترتكز عليها شخصية الإنسان، فليكن للجوع نصيب، تسمو به روحه، وللشبع نصيب تصح به الأجساد، فيكون التوازن قائم بين ضلوعه، وبين جنبات نفسه، إن الإنسان يحب أن يتغلب فيه ذلك الجانب، فهو الذي يميزه عن المخلوقات المحيط به، وما من شيء يظهره كما يظهره الصيام، ويعمق فيه الشعور به، فللصيام نفحات تتجلى فيها المعاني، وتتمثل قائمة في ذاته وكيانه، ويغلق منافذ الجسد لساعات، فتعطي للروح فرصتها في ترك أثر على بنية السلوك، إن الصيام مدرسة قائمة بذاتها في التلقي والشعور، يلقي في روعه دروسا، ولشعوره معنى، أن النفس تحتاج إلى تلك الدروس، وهي لا تخص نفس إنسانية دون نفس، ولا دين دون أخر، إنما هو درس إنساني في المقام الأول، يتعلم فيه الإنسان مهما كانت ديانته أو فصيلته أو شكله، فالكل سواء، والكل يحتاج إليه كأنه مغروس في فطر الإنسانية منذ نشأتها، فكل نحلة، وكل ملة سماوية، أو غير سماوية، مارست الصوم وإن أختلف في هيئته وشكله، ولكنه مهم وواجب على كل إنسان سكنته روح، وأيقظت فيه ذلك الشعور.
لماذا لا يصوم العالم يوما واحدا؟
لماذا لا نجعل يوما للصيام في العام؟ يوما يصوم فيه العالم عن أذى نفسه، يصوم الساسة عن الأمنيات الكاذبة، ويصوم رجال الدين عن الجدل العقيم، والجيوش عن صوت الرصاص، والرؤساء والدول، الأغنياء والبسطاء، رجال الفن وجهابذة الأديان الرياضيين، فليصم العالم عن الوحشية، فليصم عن ابتعاث نار الحرب، فليكن الصيام عاما يصطف فيه الجميع، ليصم ترامب عن التهديد والوعيد والغطرسة، ليصم نيتنياهو عن الانتهاك لشعب أعزل، عن اطلاق الرصاص، الذي يخترق صدور الضعفاء من الناس، ليصم الغرب عن التخفيف والإحتقار لمن هم أضعف منهم في عالم القوة والسياسة، ليصم الشرق عن العنجهية الكاذبة، ليصم الرجال والنساء على سنة العطف والرحمة، ليصم الأطفال عن الشغب، ليصم الكبار من ترديد ذكر الحروب والخراب والدمار، لتصم الأرض عن طلب المطامع، لتصم الألات والطرقات عن أرجل المارة يوما أو بعض يوم، تلتقط أنفاسها، لنصم عن الضغينة والكراهية جميعا، ولو ليوم واحد في السنة، فيه تبيض وجوه الناس، ويكونوا ملائكة لساعات قليلة، يوما واحدا في السنة، ربما يهدي الكثيرين. ويُبصّر أخرين.
ليكن صيامنا ثورة في عالم الضمير، وقفة حداد على الظلم، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، نؤثر في ذلك اليوم جوع الجسد على جوع الروح، لتمتليء قلوبنا سكينة وأرواحنا طمأنينة.